عبد الملك الجويني

138

نهاية المطلب في دراية المذهب

وترتب على هذا الأصل أن كل من امتنع عن أداء حقٍّ إلى الإمام استيفاؤه ، فالإمام يستوفيه منه ، وإن لم يكن فيه امتناع ( 1 ) ، حبسه وأرهقه إلى أداء الحق . وإن تجمع قوم وامتنعوا عن أداء ما إلى الإمام استيفاؤه ، فالحال يُفضي إلى دعائهم إلى الطاعة ، فإن أصروا ، فليس إلا القتال ؛ إذ لا سبيل إلى تركهم على تمردهم وتفردهم وخروجهم عن الطاعة . وكذلك إذا توجهت تبعات وغرامات ، ففُرض الامتناع . 11001 - فالقول الضابط : أن من يمتنع عن بذل الطاعة فإن لم يكن ذا منعة ، قهره السلطان وحَمَله على توفية ما عليه ، فإن تجمعوا وصاروا أصحاب شوكة ومَنَعة ، فلا سبيل إلى الترك . ولا طريق إلى تحصيل الطاعة إلا بالقتال ، وإنما يُقاتَل أهل البغي لهذا ؛ من حيث إنهم امتنعوا عن الانقياد ، وأبدَوْا الاستقلال والاستبداد . ثم لو فرض : الامتناع من أقوام ، وأفضى الأمر إلى القتال ، نُظر : فإن لم يكونوا أصحاب امتناع ، ولكنهم استجرؤوا ، واستقتلوا بلا تأويل ، أو تمسكوا بتأويل ، فما أتلفوه في القتال مضمون عليهم ، والقصاص ( 2 ) واجب إذا [ استدّت ] ( 3 ) الطاعة ، فعلى من يقتل منهم القصاص ، وهذا مقطوع به في قاعدة المذهب ؛ قال الشافعي رضي الله عنه : قتل ابنُ ملجم عليّاً متأولاً ، فاقتُص منه ، وقيل : تأويله أن امرأةً ذكرت له - تسمّى قطام - أن علياً قتل طائفة من أقربائها ، ووكّلته بالاقتصاص منه وبنى عبد الرحمن [ ابنُ ملجم ] ( 4 ) على مذهب مشهورٍ لأهل المدينة في أن طلب القصاص لا يتوقف على رضا جميع الأولياء - هذا معنى تأويله . وإن كان في الفئة الممتنعة مَنَعة ، فما يتلفونه في القتال ، إن كان عن تأويل ، فهم بغاة ، وقد مضى التفصيل فيهم ، وذكرنا أن الأصح أنا نكتفي بالتأويل والمنعة ، ثم من

--> ( 1 ) امتناع : أي منعة وشوكة وقوة . ( 2 ) ت 4 : " والاستقلال " . ( 3 ) في النسختين : " استمرّت " ، والمعنى : إذا استدّت ( أي استقامت ) الطاعة ، وتغلب عليهم جند الإمام ، فيجب الاقتصاص منهم . ( 4 ) زيادة للإيضاح فقط .